تصميم: يوسف أيمن - المنصة

يومياتي مع كورونا| الضغط كبير والعدد كتير والطريق زحمة

الاسم: محمد الدسوقي.*
السن: 38 سنة.
التخصص: مساعد اخصائي خدمات إسعافية.


أنا اخترت أكون من فريق نقل مصابين كورونا لمستشفيات العزل. لما عرضوا علينا الموضوع أول مارس قررت أتطوع، ما ترددتش كتير، كنت شايف أن ده آمن ليا و لاولادي، كده كده هأتعامل مع حالات، ممكن يكون حد عنده أزمة قلبية بس عنده اشتباه، أو ممكن يكون فيه حادثة مثلًا ومافيش أعراض عليه، لما أكون من فريق العزل خلاص أنا عارف الحالات اللي بتعامل معاها مصابة، وواخد كل احتياطاتي ولابس الواقيات، فخطر العدوى هيبقى أقل.

في نفس الوقت شفتها بنظرة إنسانية، الناس هتخاف تتطوع وتروح والعدد هيبقى قليل، فأنا هبقى بساعد في إنقاذ روح، ودي ثوابها كبير عند ربنا، ومن يومها وأنا شغال، المفروض 15 يوم وأبدل، لكن من نص مارس لحد النهاردة ما وقفتش شغل.

الأول أخدنا دورة إزاي نلبس ونقلع الواقيات، وكمان نتعامل إزاي مع الحالة، نتابع الأكسجين بتاعه، ما ينفعش نتعامل مع حالة من غير الجوانتي والكمامة، إزاي نعقم العربية كلها بالكلور، والترولي، وكل حاجة فيها، وبعد كده انطلقنا بقى.

الأول كان فيه اهتمام بتعقيم العربيات، وفيه أجهزة رش كبيرة بنستخدمها ومعقمات وحاجات كده. دلوقتي الوضع بقى أخف، وأجهزة الرش باظت، فاضطريت أشتري ماكينة رش صغيرة علشان أعقم نفسي أنا والسواق ونعقم العربية. ما هو أنا بألفّ وبخالط حالات، وبعدين برجع لأهل بيتي وعيالي، فلو محدش حريص عليا أنا حريص على نفسي.

في الأول آه طبعًا كنا خايفين ومتوترين، لكن بعد أول حالة خلاص خوفنا راح. أول حالة أخدتها من إسكندرية للنجيلة، قبل ما يبقى في عزل في إسكندرية. الدكتور لقاني بتعامل بخوف وحرص زيادة مع الحالة، فحاول يطمني وقالي ما تخافش إنت لابس حمايتك. سبتها على الله، لأن لو مكتوبلي أتصاب هأتصاب، مش شرط أتصاب من الشغل، ما أنا بركب مواصلات وبنزل السوق وبشتري حاجات من الشارع، يعني معرض يتنقلي الفيروس من أي مكان، وده شفته بعيني، بروح لحالات كتير وخصوصًا كبار السن، ولادهم يستغربوا ويقولولي دول ما بيخرجوش من البيت، محدش فيهم بينزل، جالهم منين؟

شغلنا دورية 72 ساعة، كل يوم بنقل من أربع لخمس حالات. ولأني من البحيرة بضطر أبات في نقطة التمركز لحد ما ورديتي تخلص. نقطة تمركزنا في إسكندرية هي محرم بك، غرفة العمليات بتبعت لنا إشارة، ببدأ أجهز أنا والسواق، بنلبس الواقيات بتاعتنا، ونتأكد من تعقيم العربية وإن كله أمان، وبعدين ناخد رقم موبايل حد من أهل الحالة يوصفلنا العنوان.

فيه حالة بتكون قادرة تتحرك، فبتنزلنا، وفي غيرهم لأ، بنضطر نطلع نشيلهم، ونبدأ نشوف الحالة محتاجة إيه سواء أكسجين أو تنفس، لحد ما نوصلها المستشفى مكان الإشارة. أو لو هننقلها من مستشفى للتاني تعمل أشعة ونرجعها تاني لمكانها، وبعدين بندي تمام، ونرجع نتعقم أنا والسواق نرش بعض، وبعدين نرش العربية كويس، وناخد الإشارة اللي وراها.

لما بنتأخر على حالة مابيبقاش بكيفنا، إحنا بنسارع الوقت في شغلنا، بس الضغط كبير والعدد كتير والطريق زحمة، مفيش طريق مخصص لينا، وكمان الناس في الزحمة مابتهتمش بالإسعاف.

لما برجع لأولادي ببقا متعقم كويس، بقلع الجزمة ع الباب، وأدخل بشنطتي على الحمام، بكون شايل هدوم الشغل كلها في كيس لوحدها، وبتتغسل لوحدها وآخد دوش وأخرجلهم. هم اتعودوا أن مافيش سلام لما آجي. لما أخرج من الحمام نرحب ببعض، ونحضن ونسلم ونعمل كل اللي عاوزينه. أنا بردو ماقدرش ابعد عن ولادي، وطالما واخد احتياطاتي خلاص في أمان، كمان في العربية أنا دايمًا باخد فيتامينات، وبشرب سوايل، ومش بوقف الليمون أبدًا، فالحمد لله فيه أمان لحد دلوقتي.

بسبب الحر بطلنا نلبس البدلة الصفرا، مرهقة أوي، وبتهبطنا، فبقينا نلبس الجاون الخفيف مع باقي الواقيات، بس بردو بيخليك تعرق، وكلنا بنعيا وناخد برد بسبب أن جسمنا بيعرق جامد قوي، ونقلع في الهوا، وطبعًا بسبب الظروف بنبقى شاكين في نفسنا، نقعد يومين تلاتة لحد ما الأعراض تروح ونتأكد إنها انفلونزا. من أسبوعين جالي دور برد، وحتى لما عملت أشعة وطلعت كويسة الحمد لله، لما روّحت بيتي قعدت في شقة فاضية فوق شقتي، خفت على عيالي يتعدوا مني.

أربع شهور شوفت حالات كتير قوي، كل واحد فيهم قصة، أول حالة مثلًا كان عامل في مصنع كيماويات، روحنا أخدناه من هناك، هو كان وزنه زيادة شوية، وزمايله سايبينه وخايفين يقربوله، وهو مغيبب خالص، حاولت أشيله ماقدرتش لوحدي، طلبت من زمايله مساعدة، كنت هديهم واقيات يلبسوها ويشيلوا معايا، بس ماكنوش راضيين وخايفيين، والراجل كان تعبان فعلًا ولازم يتلحق، لما لقوني مش قادر أرفعه لبسوا الكمامات والجوانتي وساعدوني، ركبته العربية، بس طبعًا الترولي ماكنش مناسب لحجمه، حطيتله كراسي اسنده بها، لحد ما نوصل.

طلعت بيه على الحميات، أول مادخلت، الدكتورة قالتلي بالنص كده "جايبهولي أعمل بيه ايه؟" قلتلها امال أوديه فين يعني، قالتلي يطلع على مستشفى جمال حمادة فورًا يعمل أشعة مقطعية، طبعًا شيلته ودخلته تاني بصعوبة، وهو كان تعبان جدًا، دكتور الأشعة لما شافه قالي إن الطبلية بتاعت الجهاز تستحمل 150 كيلو بس، وده وزنه 300 كيلو، مش هتستحمله، بس طبعًا عشان هو حالته وحشة الدكتور حاول يطلعه، بس طبعًا كان بيتعامل بحرص شديد قوي أنه مايكسرش الجهاز، وفعلًا عملناله المقطعية وطلعنا، كنت فرحان قوي إننا عملناله الأشعة واتلحق وسلمناه في الحميات، هو مش بإيده وكلنا معرضين للإصابة وكان لازم نلحقه.

بس فيه مواقف كده وأنا بنقل الحالات بقف عندها، يعني مثلًا حالات نقلناها من دار مسنين، كلهم أعراض الشيخوخة باينة قوي عليهم، وبيعانوا من الزهايمر، وواضح عليهم المرض، وأنا بنقلهم ماكنش فيه أي حد معاهم، وباين إن محدش بيسأل فيهم، فضلت أسأل نفسي الناس دي عيالهم فين؟ فين أهاليهم؟ وسايبنهم لوحدهم ليه، نقلتهم وودتهم مستشفى أبو قير.

من أكتر المواقف الوحشة بردو، جالنا إخبارية بحالة في الشاطبي. على ما روحنا ابنها استقبلنا تحت البيت، وقالنا ماتت. ماكنتش مصدق، أوقات الحالات بيجلها غيبوبة وبيفكروها ماتت، خصوصًا الغيبوبة الكبدية اللي بتيجي لكبار السن. أكتر حاجة بتوقف العمليات الحيوبة بصور مشابهه للموت. طلعت معاه وعندي أمل نلحقها وتطلع عايشة، دخلت بالجهاز اللي بيقيس العمليات الحيوية، المؤشرات بتقول إنها ماتت، بس لحد آخر لحظة عندي أمل تفوق، عملتلها CPR إنعاش للقلب جايز تفوق، بس للأسف كانت ماتت، وده وجعني جدًا.

لما بنتأخر على حالة مابيبقاش بكيفنا، إحنا بنسارع الوقت في شغلنا، بس الضغط كبير والعدد كتير والطريق زحمة، مفيش طريق مخصص لينا، وكمان الناس في الزحمة مابتهتمش بالإسعاف يعني حياة أو موت لروح تانية، تبقا معلي السرينة على آخرها وبتنده ومافيش، محدش عاوز يوسعلك طريق، أحنا بنعمل اللي علينا والباقي على ربنا.


* هذه شهادة تنشرها المنصة في باب مخصص، بعد التأكد من هوية الكاتب، والتحقق من شهادته عبر اتباع الطرق المهنية والقانونية اللازمة، والحفاظ على خصوصية المرضى إن أتى ذكرهم، مع عدم التدخل في صياغة الشهادة من جانبنا إلا لضبط اللغة إن كانت بالفصحى.