تمثال شارل ديجول في باريس. صورة برخصة المشاع الإبداعي: Tilemahos Efthimiadis- فليكر

لماذا يجب أن تسقط تماثيل شارل ديجول أيضًا؟

اندلعت المظاهرات إثر حادثة مقتل جورج فلويد العنصرية في أمريكا، وامتدت لتثير تساؤلات حول تماثيل ما زالت قائمة لرموز العنصرية وأعلامها؛ مستكشفين استعماريين وزعماء مجرمين وتجار عبيد، فأُسقط تمثال الجنرال الكونفدرالي ألبرت بايك في واشنطن، وأُسقط تمثال إدوارد كولستون تاجر الرقيق في بريستول بإنجلترا، وقطعت رأس تمثال كريستوفر كولمبوس مكتشف أمريكا من مكانه في بوسطن ثم أزيل، ثم شاهدت فيديو اليوم للرئيس الفرنسي ماكرون يقول فيه "فرنسا لن تمحو أي أسماء من سجلاتها ولن تسقط أيٍ من تماثيلها"، فهل فرنسا فعلًا بعيدة عن إسقاط تماثيل تخص رموزها، خصوصًا شارل ديجول الذي توجد له تماثيل وشوارع باسمه في عواصم مدن عربية كثيرة منها القاهرة؟

للمخرج الجزائري العربي بن شيحة فيلم وثائقي بعنوان الجزائر ديجول والقنبلة، صدر عام 2012، يحكي عن موضوع مسكوت عنه وهو عملية اليربوع الأزرق، الا وهو تفجير فرنسا لقنبلة ذرية في صحراء الجزائر، في منطقة الحمودية، بتاريخ 13 فبراير/ شباط عام 1960، وهو الأمر الذي تسبب في إصابة أكثر من 40 ألف جزائري بأضرار الإشعاع، كل هذا بسبب أحلام ديجول بامتلاك القنبلة، وعلى عكس ما يدعيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، من عدم إخفاء فرنسا لتاريخها، لكنها بالفعل أخفت سجلات كثيرة تتعلق بعملية اليربوع الأزرق وما تلاها من تجارب نووية في صحراء الجزائر، وما نتج عنها من إصابات وأمراض وسرطانات للسكان الجزائريين، أنصح بمشاهدة الفيلم.

نحي البلاكة

في تونس عام 2016 وقبل أعوام من الحملة الأمريكية لإزالة تماثيل رموز العنصرية وتجارة الرقيق، ظهرت حملة نحي البلاكة بمعنى أزِل اللافتة، واللافتة المقصودة هنا هي لافتة تسمية أحد شوارع تونس الكبيرة، شارع شارل ديجول، كان هذا نتاجًا لجلسات هيئة الكرامة والحقيقة، التي تبحث فيما حدث لضحايا بن علي وبورقيبة، حيث طلب المناضل حمادي غرس، وهو أحد من ناضلوا ضد الاحتلال الفرنسي، بازالة اللافتة قائلًا إن "ديجول أجرم في حق تونس وأمر بقتل آلاف التونسيين"، واتهم ديجول باصابة وقتل وفقد عشرة آلاف تونسي أثناء الاحتلال، خصوصًا في معركة بنزرت التي جرت بأوامر من ديجول شخصيًا، وتساءل أحد نشطاء الحملة هل توافق فرنسا على تسمية أحد شوارع باريس باسم هتلر؟

بجانب تونس والمغرب تظل الجزائر بلد المليون شهيد هي الأكبر في عدد القتلى والجرائم التي ارتكبت فيها، خصوصًا في عهد ديجول.

عام 2012 وبعد أكثر من 50 سنة من المذابح اعترفت فرنسا بجرائمها ضد الجزائريين، خصوصًا ضد متظاهري جبهة التحرير الجزائرية، وهو الاعتراف الذي لم يعتبره المؤرخ بنجامين ستورا كافيًا، وقال إنه لم يصل بعد إلى منزلة التوبة، ففي 17 أكتوبر 1961 قامت قوات التدخل بقمع دموي للمتظاهرين الجزائريين في باريس، حتى إن الجثث كانت تطفو لأيام في نهر السين، وتقول أستاذة التاريخ رفائيل بلانش إن ديجول هو الذي أصدر الأوامر لعمدة باريس موريس بايون، الذي بدوره أصدر الأوامر للشرطة بالقمع، وكذبت الشرطة وقتها وقالت إن الضحايا قتيلين فقط، واتضح فيما بعد أنهم حوالي 250.

والحقيقة أن ديجول ليس وحده من يستحق إسقاط تمثاله، ففي 2003 أقام جاك شيراك نصبًا تذكاريًا لجنود الاحتلال الفرنسي في تونس والجزائر والمغرب، وحدد الخامس من ديسمبر/ كانون الأول كمناسبة للاحتفال بذكراهم.

المذكرة الموجهة من هيئة الحقيقة والكرامة إلى الرئيس الفرنسي.  الصورة: موقع الهيئة الرسمي

جرائم فرنسا ديجول

ونعود مرة أخرى إلى تونس حيث كشفت هيئة الحقيقة والكرامة في تونس عام 2018 حقيقة تمسك فرنسا بقاعدة بنزرت، والتي تسببت في معركة عام 1961، حيث كشفت وثائق أعلنت عنها رئيسة الهيئة، سهام بن سدرين، عن استخدام القاعدة كموقع استراتيجي لمراقبة النشاط النووي في البحر المتوسط، وأن القاعدة كان فيها مبانٍ بعمق مائة متر تحت سطح الأرض، ونشرت تسجيلات لقادة عسكريين فرنسيين سابقين يعترفون بأن القاعدة كانت محصَّنة ضد الهجمات النووية.

وبالمناسبة، سهام بن سدرين مناضلة قديمة من عهد بن علي، تدافع عن حقوق الإنسان منذ 1979، وُجهت إليها في 1999 تهم الدعارة وإهانة القضاء ونشر أخبار كاذبة، وتم تجميد باسبورها ومنعها من السفر في 2001، وتلقت عددًا من الجوائز الدولية عن عملها الحقوقي؛ منها الجائزة الدولية لحرية الصحافة 2004، جائزة صندوق السلام الدنماركية 2008، وجائزة أليسون دي فورج 2011. قابلتها أكثر من مرة خارج تونس، كانت آخر مرة في منفاها في مدينة جراتز بالنمسا، عام 2009، قبل الثورة التونسية.

ليست هذه جرائم فرنسا ديجول الوحيدة في تونس، فهناك مذكرة رسمية صدرت من تونس في يوليو/ تموز العام الماضي تطالب فرنسا بالاعتذار والتعويض عن جرائمها بحق التونسيين، جرائم تتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية للتونسيين، واستغلال الجمهورية التونسية استغلالا اقتصاديا غير عادل، الى جانب جرائم القتل والاغتصاب وقتل الأطفال ومصادرة الممتلكات وهدم المنازل، وكذلك استخدام التراب التونسي في الحرب ضد الجزائر في سيدي يوسف وعين دراهم، وتقول الهيئة إن لديها 650 شكوى بشأن معركة بنزرت وحدها.

ونذكر من جرائم فرنسا في المغرب أيضًا قبل وأثناء حكم ديجول؛ أحداث الدار البيضاء 1907 حيث تشير تقديرات إلى وصول عدد القتلى إلى 30 ألف مغربي مسلم ويهودي، على يد الفرنسيين والإسبان والمرتزقة، ومصرع الشاعر محمد القري بالتعذيب، وأحداث بركان 1942، أحداث السويقة وسلا 1944 التي قُتل فيها نساء وأطفال، ومظاهرات 1953 ضد نفي الملك محمد الخامس حيث قُتل ألف متظاهر، وكذلك جرائم إسبانيا مثل مذبحة أنوال ضد ثورة محمد أمزيان 1921.


لكن بجانب تونس والمغرب تظل الجزائر بلد المليون شهيد هي الأكبر في عدد القتلى والجرائم التي ارتكبت فيها، خصوصًا في عهد ديجول، وبالمناسبة ديجول هو أول من قال لقد فهمتكم وربما أخذها منه بن علي، قالها للجزائريين في 1958، Je vous ai compris، وظل رغم ذلك مستمرًا في ذبحهم والقيام بالتفجيرات النووية على أرضهم.

عام 2003 واجه وزير الدفاع في حكومة ديجول بيير ميسمر اتهامًا بتسببه في قتل أكثر من مائة ألف من المتعاونين مع فرنسا في المستعمرات، بمنعهم من الاستقرار في فرنسا وإجبارهم على العودة إلى بلادهم حيث يقتلون لتعاونهم مع الاستعمار، وكان ميسمر وكان مسؤولًا عما يُسمَّى قوات فرنسا الحرّة، كما يحمّل كتاب الكذبة الفرنسية للمؤلف جورج مارك بنامو، الذي كان مقربًا من الرئيس السابق فرانسوا ميتران، المسؤولية لديجول نفسه ويتهمه بالعنصرية، وجورج مارك بنامو .

ونعود مرة أخرى لتجارب فرنسا النووية في المستعمرات خصوصًا في عهد ديجول، فاليربوع الأزرق لم يكن التفجير الوحيد كما ذكرنا، بل كان الأول من سلسلة تفجيرات في منطقة تنزروفت قرب رقان، تلاه اليربوع الأبيض ثم الأحمر ثم الأخضر، بتفجيرات بلغت 65 كيلوطن، وحدثت احتجاجات كبيرة، أكبرها في مالي التي كانت التفجيرات على حدودها، ولم تتوقف فرنسا عند ذلك فنقلت تجاربها الى عين عكر في الجزائر أيضًا، حيث قامت بـ14 تفجيرًا نوويًا تحت الأرض، وتسببت في تلوث التربة والمياه الجوفية هناك حتى يومنا هذا، ثم نقلت تفجيراتها بعد ذلك الى جزرها المستعمرة في المحيط الهادي حيث نفذت 22 تفجيرًا هناك، خصوصًا جزر موروروا المرجانية، كل هذا في عهد شارل ديجول الذي أراد تجربة قنابله فوق الأرض وتحتها وفي الماء، لكن في مستعمراته بعيدًا عن فرنسا نفسها.

حديث يطول

هذا المقال يعتبر فقط لمحة حول تاريخ فرنسا الاستعماري وشارل ديجول، حيث يتناول فقط دول شمال أفريقيا العربية، لأن الكلام عن بقية المستعمرات العربية مثل سوريا ولبنان، والأفريقية والأسيوية والجنوب أمريكية وتلك من جزر الكاريبي والمحيط الهادي يطول؛ كانت فرنسا تحتل غرب أفريقيا بالكامل تقريبًا وكذلك منطقة الهند الصينية الفرنسية، حيث لاوس وكمبوديو وفيتنام التي سلمتها للأمريكيين وحربهم الشهيرة.


مصادر ومراجع :

  • الجزائر ديجول والقنبلة – العربي بن شيحة (وثائقي)
  • هيئة الحقيقة والكرامة – تونس (موقع)
  • Un mensonge français : Retours sur la guerre d'Algérie
  • لغز ديجول خياره للجزائر – بنجامين ستورا
  • جرائم فرنسا بالدار البيضاء – عبد الله عرقوب (مقال)
  • حول الانتهاكات التي شابت خروج الاحتلال الفرنسي (وثائقي)
  • CRIMES DE LA FRANCE AU MAROC (وثائقي)
  • اعتراف فرنسا بجرائم ضدّ الجزائريين مقدمة حـذرة لمصالحة تاريخية – لوموند
  • http://www.nuclear-risks.org (موقع)
  • CATALOG OF WORLDWIDE NUCLEAR TESTING
  • La bataille de Bizerte - Patrick-Charles Renaud
  • Radiological Conditions at the Former French Nuclear Test Sites in Algeria